الثلاثاء، 12 فبراير، 2013

الرّسـوم الصّخريّة اللّيبيّـة في عصر ما قبل التّاريخ


الرّسـوم الصّخريّة اللّيبيّـة
في عصر ما قبل التّاريخ

مجلة تراث الشعب التي تصدر عن وزارة الثقافة : العدد(1)1991م.

     "رسوم نادرة تعدّ معارض فنّيّة طبيعيّة يجب المحافظة عليها لأنّها تمثّل عمل أهمّ مركز حضاري لفترة عصور ما قبل التّاريخ في جنوب المتوسّط".
مقدّمـة:
الفنّ في عصور ما قبل التّاريخ:
     كانت المراحل الأولى لحياة الإنسان لا تكاد تختلف في جهة من العالم عنها في الجهات الأخرى، واشتركت الحضارات الإنسانيّة في مظاهرها الرّئيسيّة في الجزء الأكبر من العصر الحجري القديم، ولم يبدأ الاختلاف الحضاري بين أجزاء العالم إلاّ في نهاية العصر الحجري القديم وبداية العصر الحجري الوسيط.
     وأصبحت صناعة الآلات الحجريّة مع نهاية العصر الحجري القديم أقرب إلى الفنّ منها في أيّ عهد سابق. وظهرت عشرات من أنواع الآلات المختلفة مثل المكاشط الحجريّة ذات الحواف التي تستخدم في "التقشير والحك وسلخ الحيوانات"، والمثاقب التي كانت تستخدم في ثقب العظام والخشب، والإبر التي كانت تصنع من العظام وقرون الحيوانات، والأزاميل الصغيرة والمناحت ورؤوس الحراب.
     واستمرّت هذه الأدوات مستعملة حتّى نهاية العصر الحجري الوسيط، وفي العصر الحجري الحديث لم يكتف إنسان ذلك العصر بصنع الآلات من الحجر فحسب، بل استخدم العظام العاج وقرون الحيوانات أيضاً، ومن الآلات الهامّة التي صنعت في ذلك العصر من العظام "رأس الحربون" وهي من الآلات التي تزدان بصف من الخطاطيف على أحد الجانبين، وأحياناً على كلا الجانبين، وكانت هذه الآلة تربط بحبل يظلّ في يد الصّيّاد، ولذلك يستخدم الحربون، بالإضافة إلى إصابة الفريسة، في سحبها بعد إصابتها أيضاً.
     إنّ إنسان ما قبل التّاريخ بإنتاجه للعديد من الفنون، لم يكن يفكّر في إنتاج أثر فنّي لغرض الفنّ، لكنّه في معظم الأحوال كان ينتج تلك الأشياء لأغراض سحريّة ودينيّة. ويمكن تقسيم الفنون في العصور الحجريّة إلى نوعين:
     فنّاً مفرداً منقولاً، وفنّاً صخريّاً ثابتاً.
     ويتألّف الفنّ المفرد المنقول من منحوتات ورسومات مفردة، ويمكن العثور عليها في الوقت الحاضر في طبقات أثريّة واضحة التّواريخ، أمّا الفنّ الصّخري الثّابت فيتألّف من رسومات متلاصقة ذات موضوعات متّصلة أحياناً. ويعتبر فنّ النّحت والفنون التّطبيقيّة خير ما يمثّل النّوع الأوّل، وفنّ التّصوير خير ما يمثّل النّوع الثّاني.
أ- فنّ النّحت:
     كانت الأشكال الأولى لفنّ النّحت عبارة عن تماثيل صغيرة لنساء منحوتة من الحجر أو العاج، وأطلق العلماء على تلك التّماثيل اسم "فينوس" ولم تكن تلك التّماثيل جميلة كما يبدو من الاسم، ولكن ربّما من باب التّهكّم، لأنّ تلك التّماثيل بعيدة جدّاً عن قوانين الجمال كما نفهمها في أيّامنا هذه، وتلك التّماثيل عبارة عن كتل حجريّة تمثّل نساء برزت أردافهنّ وبطونهنّ واستدارت رؤوسهنّ ورغم كلّ هذا القبح، فلم تكن تلك التّماثيل مجرّد لهو وعبث، ولكنّ بعضها يدلّ على درجة لا بأس بها من الحذق والمهارة والذّوق الفنّي، وأحسن نموذج لهذا النّوع، ذلك التّمثال الذي يدعى "فينوس فيلندروف" والذي عثر عليه في النّمسا ويعود تاريخه للفترة ما بين 25 – 20 ألف سنة قبل الميلاد(1).
ب- فنّ الرّسم:
     إنّ فنّ الرّسم أمره يختلف عن فنّ النّحت، فقد كان الفنّانون في عصور ما قبل التّاريخ يمارسون الرّسم على جدران الكهوف وعلى المنحدرات الصّخريّة بكلّ دقّة وإتقان. وقد بلغت رسوماتهم ذروة الكمال الفنّي مع نهاية العصر الحجري القديم. فمنذ أكثر من 20 ألف سنة أخذ الإنسان الأوّل مرّة يدوّن لنا صور ما يحيط به من الحيوانات التي تمكن من قنصها.
     إنّ إنسان ذلك العصر بتنفيذه لتلك الأعمال الفنّيّة الرّائعة لم يكن يقصد منها مجرّد أعمال فنّيّة خالصة، بل كانت نوعاً من التّعاويذ السّحريّة التي من شأنها أن تحمي الصّيّاد وتدلّه على مناطق الصّيد الوفير. وتعتبر تلك الرّسومات الصّخريّة في نظر إنسان ذلك العصر بمثابة ضمان ورمز ديني له أثره في التّوفيق في عمليّات الصّيد.
     يمكن تقسيم الرّسومات التي نفّذها إنسان العصور الحجريّة القديمة إلى نوعين من الرّسومات:
     رسومات الكهوف في أوربّا الغربيّة، والرّسومات الصّخريّة المنتشرة بالسّلاسل الجبليّة بالصّحراء اللّيبيّة بشمال أفريقيا.
1- رسومات الكهوف الأوربّيّة:
     تقتصر رسومات الكهوف الأوربّيّة على مناطق صغيرة من فرنسا وأسبانيا. ولقد تمّ التّعرّف على أكثر من (100) كهف معظمها تزدان برسومات رائعة، ولكنّ أكثر تلك الكهوف إثارة وأكثرها فائدة لتاريخ الفنّ هما: كهف "لاسكو" بالجنوب الغربي من فرنسا، وكهف "التراميرا" بشمال شرق أسبانيا.
     ولقد تمّ اكتشاف كهف "لاسكو" عام 1940م عن طريق الصّدفة بواسطة فريق من الأطفال كانوا يتنزّهون، ويعدّ هذا الاكتشاف من أهمّ الكشوف في مجال فنّ الكهوف العائدة إلى العصور الحجريّة. ولقد قام إنسان تلك الحقبة الزّمنيّة الموغلة في القدم برسم تلك المناظر الموجودة بالكهف منذ أكثر من 20 ألف سنة، وأهمّ رسوماته بعض الثّيران وبعض الخيول الصّغيرة.
     وأمّا كهف "التراميرا" فقد تمّ اكتشافه عام 1879م عن طريق الأسباني "مارسيلينو دي سوتولا" ورأى ذلك العالم الأسباني أنّ تلك الرّسومات التي وجدت بالكهف تعود في تاريخها إلى حوالي 10 آلاف سنة قبل الميلاد. ولم يصدّق أحد من النّاس ذلك الخبر، ولكن اكتشافات مشابهة أعطت الدّليل على قدم تلك الرّسومات. لقد رسمت على سقف كهف "التراميرا" صور تمثّل بعض الثّيران الوحشيّة والخيول والخنازير البرّيّة.
     إنّ الأعمال الفنّيّة الرّائعة التي رسمت على جدران الكهوف الأوربّيّة منذ أكثر من 20 ألف سنة على أضواء المشاعل، صدرت عن إنسان يعرف كيف يرسم، ويستطيع أن يعرض ما يشاهده في الحياة بكلّ دقّة. وقد استخدم في إنجاز تلك الرّسومات ألواناً متباينة كانت تصنع من مختلف أنواع التّراب الطّبيعي المتعدّد الألوان أو من الفحم الحيواني بعد مزجه بشحوم الحيوانات.
2- الرّسومات الصّخريّة بالصّحراء اللّيبيّة:
     لقد بدأ موضوع الفنّ الصّخري بمناطق الصّحراء اللّيبيّة بشمال أفريقيا، يلفت اهتمام الدّارسين منذ منتصف القرن التّاسع عشر، ومع بداية القرن العشرين أضحى هذا الموضوع الشّغل الشّاغل لمعظم المختصّين في مجال الفنون الصّخريّة في عصور ما قبل التّاريخ، ولقد ركّز علماء الآثار المختصّون في هذه الحقبة على دراسة ما خلّفه لنا إنسان ذلك العصر من أدوات وأدلّة أخرى تشير إلى هذا الفنّ.
     إنّ اكتشاف الكثير من الأدوات الحجريّة في الكثير من المواضع بالصّحراء اللّيبيّة بشمال أفريقيا إلى جانب الرّسومات الصّخريّة العديدة التي تمثّل الحيوانات الاستوائيّة كالأفيال، وأفراس النّهر، والتّماسيح، والقردة، يجعلنا نعتقد اعتقاداً جازماً بإنّ الصّحراء اللّيبيّة بشمال أفريقيا كانت على غير ما هي عليه الآن(2) ، وأيّدت الأبحاث الجيولوجيّة صحّة هذا الافتراض، حيث أكّدت أنّ الصّحراء في فترة عصور ما قبل التّاريخ، كانت غزيرة الأمطار، كثيرة الغابات، تتخلّلها الكثير من الأنهار(3) .
     ومن خلال دراستنا للفنون الصّخريّة بالمنطقة نستطيع تتبّع الحياة الحيوانيّة، والتّكهّن بالتّقلّبات المناخيّة، ونستطيع بالتّالي التّعرّف على ذلك الجذب التّدريجي الذي حلّ بها على مرور الأيّام.
     لقد اختلف علماء الآثار في تحديد تاريخ دقيق لهذه الرّسومات الصّخريّة، ولكنّهم وضعوا لها تقسيماً قائماً على الموضوع وطريقة التّكوين الفنّي، وكان ذلك التقسيم يتمثّل في أربعة أدوار رئيسيّة هي:
1- دور الحيوانات الاستوائيّة:
     يعتقد علماء الآثار أنّ هذا الدّور من أقدم أدوار الرّسومات الصّخريّة بالصّحراء بشمال أفريقيا، ويرجع هذا الدّور إلى عصر الصّيّادين، وقد ظهرت في هذا الدّور الحيوانات التي تحتاج إلى مصادر دائمة من الماء والحشائش مثل الفيلة والزّراف وأفراس النّهر ووحيد القرن والتّماسيح والقردة. ويغلب على هذه الرّسومات أنّها غير ملوّنة، ويظهر إلى جانب هذه الحيوانات الصّيّادون في جماعات وهم يستعملون الشّباك والهريّ التي تنتهي أطرافها بحراب حجريّة. ونلاحظ عليهم أنهم يرتدون أقنعة على شكل رؤوس الحيوانات للتّمويه، وذلك لكي يسهّل صيد تلك الحيوانات، أو ربّما كانوا يضعون تلك الأقنعة لأغراض دينيّة محضة(4)  (أنظر الشّكلين (1)، (2)).
     إنّنا لا نستطيع إعطاء تاريخ محدّد لهذه الرّسومات الصّخريّة، ولكن معظم آراء الباحثين تتّفق على أنّها تعود لفترة تاريخية تسبق الألف الثّامنة قبل الميلاد.
ب- دور الرّؤوس المستديرة:
     نلاحظ أنّ رسوم هذا الدّور تشتمل على أشكال بشريّة صغيرة ذات رؤوس مستديرة ضخمة مبالغ في ضخامتها، ونلاحظ أنّ الفنّان في هذا الدّور بدأ يستعمل الألوان في تلوين رسومه التي كانت تلوّن في البداية بلون واحد بتحديد الملامح الخارجيّة للأشكال، ثمّ يملأ الرّسم بلون آخر غالباً ما يكون الأصفر أو الأخضر أو الأحمر. ويعتقد علماء الآثار أنّ هذه الرّسوم ترجع لحوالي الألف الثّامنة قبل الميلاد.
ج- دور الرّعاة:
     ظهر في هذا الدّور قمّة الإبداع الفنّي متمثّلاً في الرّسوم الصّخريّة الملوّنة والتي تتألّف من أشكال حيوانيّة بأحجام صغيرة رسمت بطريقة طبيعيّة بديعة، ومن الملاحظ أنّ الماشية هي الحيوانات المفضّلة للرّسم من قبل فنّان ذلك الدّور. وبالإضافة إلى الحيوانات يمكن أن نشاهد صور الرّعاة خلف حيواناتهم (شكل (3)). لقد استعمل الفنّان في هذا العصر أملاح بعض المعادن كأصباغ للتّلوين، ممّا جعل الصّور تحتفظ بألوانها الأصليّة إلى يومنا هذا(5)، ويعتقد علماء الآثار أنّ تاريخ هذه الرّسوم يرجع لفترة زمنيّة طويلة تبدأ مع نهاية الألف السّادسة قبل الميلاد، وتنتهي مع نهاية الألف الثّالثة قبل الميلاد.
د- دور الحصان والجمل:
     ظهرت في هذا الدّور صور الحصان والجمل، فمن حيث الحصان فإنّه دخل الرّسوم الصّخريّة أحياناً على شكل منفصل، وأحياناً أخرى متّصلاً بعربة، وكانت العربة تجرّ بأكثر من حصان في معظم الأحوال وقد انتشرت في هذا الدّور رسوم تمثّل الجمل، ونلاحظ أنّ الجمال تظهر في هذه الرّسوم على شكل قوافل لوّنت باللّون الأحمر.
     إنّ أسلوب الرّسومات الصّخريّة التي تمثّل الحصان والجمل لم تكن في مستوى الرّسوم التي نفّذت في الأدوار السّابقة، وتعتبر رسوم هذا الدّور بمثابة خطوة إلى الوراء بالنّسبة لما تحقّق في دوري الرّؤوس المستديرة والرّعاة، ويعتقد العلماء أنّ تاريخ هذه الرّسوم يعود إلى الفترة التّاريخيّة ما بين 800 قبل الميلاد و100 ميلاديّة. ويعتقد وجود علاقة بين هذه الرّسوم وحضارة الجرامنت التي كانت عاصمتها مدينة جرمة.
     ومن الجدير بالذّكر أنّ بداية الاكتشافات الأثريّة للفنون الصّخريّة اللّيبيّة، كانت قد اكتشفت عن طريق الصّدفة وكان ذلك عن طريق الرّحالة الألماني "هنريش بارت" عام 1850م، وكانت أولى تلك الاكتشافات تلك التي بمنطقة (ماتخندوش) بوادي (البرجوش) جنوب غرب مدينة مرزق. ثمّ توالت الاكتشافات بعد ذلك، فقد عثر على نماذج من هذه الفنون في وادي (زقزة) بوادي الشّاطيء وفي جنوب شرقي مدينة غات خاصّة في المنطقة المعروفة باسم (تادرارات أكاكوس)، وفي منطقة الحمادة الحمراء في منطقتي (قارة أم النّسور) (وعاطف بن دلالة). وتمّ العثور على رسوم مماثلة في سيدي الغريب قرب مدينة ترهونة وفي جبل العوينات قرب الكفرة. لم يقتصر تواجد هذه الفنون الصّخريّة في المناطق السّالفة الذّكر فحسب، بل إنّ مثل هذه الرّسوم تكاد تغطّي معظم المناطق اللّيبيّة.
     وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الرّسوم الجداريّة "الجداريّات" لم تلق بعد العناية والاهتمام الكافيين –خاصّة منها المناطق النّائية- إلاّ من طرف بعض الباحثين المختصّين، وهذا الاهتمام لا يكفي وحده إذ لا بدّ له من تعاون من سكّان هذه المعارض الطّبيعيّة وذلك بالمحافظة عليها ومنع العبث بها، ويجب التّنويه هنا إلى أنّ هذه الرّسوم الجداريّة تمثّل عمل أهمّ مركز حضاري لفترة عصور ما قبل التّاريخ جنوب منطقة حوض البحر المتوسّط.

  
الهوامش والمراجع:
1- Jacques Godte HOT, l'histoire des Oniginesa Louis XIV Tome 1, Larousse, Paris, 1976, p. 12.
2- جمعة محمد العناق، من آفاق الثّقافة اللّيبيّة، مصلحة الآثار، طرابلس، 1977م.
3- هنري لوت، لوحات تاسيلي، قصّة لوحات كهوف الصّحراء الكبرى قبل التّاريخ، ترجمة أنيس زكّي حسن، الفرجاني، طرابلس، 1967م، ص 12.
4- نفس المرجع السّابق، ص 208.
5- فابر يتشيسو موري، تادرارت أكاكوس، الفنّ الصّخري وثقافات الصّحراء قبل التّاريخ، تعريب عمر الباروني وفؤاد الكعبازي، مركز دراسة جهاد اللّيبيّين ضد الغزو الإيطالي، طرابلس، 1988م، ص 42. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق